الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
19
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التي لا يرتكبها في النهار لأنه لا يحب أن تراها الأبصار ، وفي ذلك تعريض بإبطال أصل من أصول الدهريين أن الليل رب الظّلمة وهو معتقد المجوس وهم الذين يعتقدون أن المخلوقات كلها مصنوعة من أصلين ، أي إلهين : إله النور وهو صانع الخير ، وإله الظلمة وهو صانع الشر . ويقال لهم : الثنوية لأنهم أثبتوا إلهين اثنين ، وهم فرق مختلفة المذاهب في تقرير كيفية حدوث العالم عن ذينك الأصلين ، وأشهر هذه الفرق فرقة تسمى المانوية نسبة إلى رجل يقال له : ( ماني ) فارسي قبل الإسلام ، وفرقة تسمى مزدكية نسبة إلى رجل يقال له : ( مزدك ) فارسي قبل الإسلام . وقد أخذ أبو الطيب معنى هذا التعريض في قوله : وكم لظلام الليل عندك من يد * تخبّر أن المانويّة تكذب المعنى الثاني : من معنيي وجه الشبه باللباس : أنه المشابهة في الرفق باللّابس والملاءمة لراحته ، فلما كان الليل راحة للإنسان وكان محيطا بجميع حواسه وأعصابه شبه باللباس في ذلك . ونسب مجمل هذا المعنى إلى سعيد بن جبير والسّدي وقتادة إذ فسروا سُباتاً [ النبأ : 9 ] سكنا . المعنى الثالث : أن وجه شبه باللباس هو الوقاية ، فاللّيل يقي الإنسان من الأخطار والاعتداء عليه ، فكان العرب لا يغير بعضهم على بعض في الليل وإنما تقع الغارة صباحا ولذلك إذا غير عليهم يصرخ الرجل بقومه بقوله : يا صباحاه . ويقال : صبّحهم العدوّ . وكانوا إذا أقاموا حرسا على الرّبا ناظورة على ما عسى أن يطرقهم من الأعداء يقيمونه نهارا فإذا أظلم الليل نزل الحرس ، كما قال لبيد يذكر ذلك ويذكر فرسه : حتّى إذا ألقت يدا في كافر * وأجنّ عورات الثّغور ظلامها أسهلت وانتصبت كجذع منيفة * جرداء يحصر دونها جرّامها [ 11 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 11 ] وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ( 11 ) لما ذكر خلق نظام الليل قوبل بذكر خلق نظام النهار ، فالنهار : الزمان الذي يكون فيه ضوء الشمس منتشرا على جزء كبير من الكرة الأرضية . وفيه عبرة بدقة الصنع وإحكامه إذ جعل نظامان مختلفان منشؤهما سطوع نور الشمس واحتجابه فوق الأرض ، وهما نعمتان للبشر مختلفان في الأسباب والآثار ؛ فنعمة الليل راجعة إلى الراحة والهدوء ، ونعمة النهار راجعة إلى العمل والسعي ، لأن النهار يعقب الليل فيكون الإنسان قد استجدّ راحته واستعاد نشاطه ويتمكن من مختلف الأعمال بسبب إبصار الشخوص والطرق .